الاخبار الاثنين 23-12-2002 الصفحة 15
الأخبار تناقش تقرير رويترز هل صحيح اننا امة لا تقرأ؟
أثارت الاخبار يوم الاثنين الماضى على صفحة " ادب وثقافة " قضية اصداء نشر الابداع الروائى فى الوقت الراهن من خلال موضوع اسم محفوظ الذى اشار الى معاناة الروائى يوسف الشارونى من تراجع القراءة حتى بين المبدعين انفسهم وفى اليوم التالى بثت وكالة رويتر تقريرا من مراسلها فى القاهرة " اندرو هاموند" ينسب خلاله الى المهندس ابراهيم المعلم رئيس اتحادى الناشرين المصريين والعرب القول " لم يعد احد يقرأ أساسا " وان القراءة والكتابة هى اول شئ يعانى من التراجع الاقتصادى وان ظروف الحياة الضاغطة على المصرييين تمنعهم من القراءة كما نسب اليه تاكيداً بان مصر لم تنتج أكثر من 12 الف كتاب عام 2001 رغم ان عدد سكانها يصل الى 68 مليونا وان كان هذا الرقم يمثل 37 فى المائةمن اجمالى الانتاج فى المنطقة العربية وان اقل من خمسين فى المائةمن هذه الكتب كانت اصدارات جديدة بينما حازت الكتب الدينية والمدرسية على نصيب الاسد من استثناءات قليلق وجاء فى التقرير ايضا تاكيد المعلم ان الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل يبقى اكثر الكتاب مبيعا وتحظى تحليلاته باحترام كبير فى العالم العربى ويمكن ان يبيع احد كتبه ما يزيد على متوسط يتراوح بين خمسة الاف نسخة بينما اشار التقرير الى ان قطاعا ضئيلا فقط من المجتمع المصرى اليوم يقرأ نجيب محفوظ أو اية روايات عربية ويؤكد تقرير رويتر أنه بعد فوز محفوظبجائزة نوبل عام 1988 لم يكن هناك الكثير مما يظهر طفرة فى مبيعات الروايات بالعربية ويبدو ان الجائزة دعمت فقط الترجمة النجليزية وأما المراسل الى تقرير التنمية البشرية العربى الذى اصدرته الامم المتحدة مؤكدا انه يرسم صورة قاحلة للحياة الادبية فى المنطقة العربية.
مشيرا الى امية واسعة وتحول كثيرين ممن يمكنهم القراءة الى الكتب الدينية فقط وأضاف ان المجموع التراكمى للكتب المترجمة منذ عصر المأمون اى منذ القرن التاسع الميلادى حوالى مائة ألف عنوان وهو تقريبا ما تترجمه اسبانيا فى سنة واحدة هذه
المتشائمة التي رسمها تقرير رويتر لواقع التلقي الأدبي في عالمنا العربي وخاصة في مصر علي اعتبار ان التقرير صادر من القاهرة، فجر استنكار عدد من الكتاب والناشرين لبعض
ماجاء فيه من معلومات غير دقيقة، وكان لابد من توضيح الامر ووضع النقاط فوق الحروف، ففي البداية يؤكد المهندس ابراهيم المعلم رئيس اتحادي الناشرين المصريين والعرب ان بعض اقواله فهمت ليس كما يقصدها تماما فتراجع القراءة مسألة لم تستجد هذه الايام، اي اننا كنا نقرأ كثيرا في الماضي ثم انصرفنا عن ذلك الآن، بل هي قضية قائمة في العصر الحديث، بدليل تبني السيدة الفاضلة سوزان مبارك لحملة قومية لتشجيع القراءة، والواقع يشهد الان ازدهارا في حركة النشر من حيث المستوي الطباعي والتنوع الهائل في الموضوعات التي تتناولها العناوين الجديدة، إنما المشكلة الحقيقية تكمن في مجالي الشعر والرواية، هذان المجالان تراجعت فيهما القراءة بصورة تدعونا الي التساؤل: لماذا؟ رغم ان عدد الروائيين المتميزين يزداد وكذلك الشعراء الجيدون ولكن ذلك لايوازيه تلق بنفس النسبة، فعدد قراء الرواية والشعر لايزيد بنسبة مماثلة بل يظل ثابتا، ويتضح هذا من المعدلات العالمية وهي في مصر اقل كثيرا، والامر يمثل قضية يجب مناقشتها، وكم دعوت المفكرين والنقاد الي بحثها، اما ما يخص اديبنا العالمي نجيب محفوظ الذي يعد اعظم الروائيين تأثيرا علي مستوي العالم العربي كله، فللأسف لم يحدث فوزه بجائزة نوبل طفرة في نسبة قراء أعماله محليا وإن ادي ذلك الي اهتمام نقدي واعلامي باعماله لم يواكبه مردود علي المستوي الجماهيري، ويضيف المعلم قائلا : ورأيي الشخصي ان نجيب محفوظ يستحق اهتماما جماهيريا، اكبر كثيرا من الحاصل الآن، ويختلف الامر بالنسبة للمجالات الاخري فهناك اقبال علي كتب الاطفال، والكتب السياسية الساخنة، وتلك التي تعالج علوم المستقبل والكمبيوتر، وايضا العناوين التي تعالج قضايا الحياة كأفضل الطرق لاختيار شريكة المستقبل، التداوي بالاعشاب وغيرها من الموضوعات
اما عن زيادة مبيعات الكتب الدينية فأود توضيح انني اعني الكتاب الديني المستنير كمؤلفات : القرضاوي والغزالي وعمارة والعوا، بعيدا عن الكتب الصفراء ومؤلفات التطرف، فالكتاب الديني له مكانة خاصة في العالم كله ونحن شعب متدين والاقبال علي شرائه امر تاريخي ولايعني ذلك عدم الاقبال علي النوعيات الاخري، واذا كنا نصدر في مصر الآن 12 الف عنوان سنويا منها خمسة الاف عنوان جديد، فإني أعتبر ان هذا العدد اقل من طموحاتنا لكنه اكثر مما كان يصدر في الماضي، فما صدر من عناوين في ربع القرن الاخير يبلغ ثلاثة أضعاف العناوين الصادرة في القرنين الماضيين، اما عناوين الاطفال علي مدي العشرين عاما الماضية فيمثل ثلاثة اضعاف مانشر للطفل، وهذه علامات صحية، تدفعنا الي التفاؤل وتسلب اي معني من ذلك التشاؤم الذي يهوي البعض اشاعته في النفوس، وأرجو الا يتصور احد ان الركود الاقتصادي يؤثر علي حركة الشراء والبيع في مصر فقط، بل هو تأثير موجود في العالم كله، وعن الاحصائية التي اوردها تقرير رويتر الخاصة بالعناوين المترجمة منذ عصر الخليفة المأمون حتي الآن البالغة مائة الف عنوان، يؤكد المعلم انه رقم غير صحيح بالطبع فمن اين لنا معرفة العدد الصحيح منذ هذا العهد البعيد.
الحقيقة الغائبة
ويضع الناقد الدكتور محمد عناني أيدينا علي حقيقة لايفطن اليها البعض قائلا : إذا قارنا قراء الستينيات بقراء التسعينيات لوجدنا ان عددهم زاد بصورة مطلقة، لكنه تناقص بصورة نسبية، اي أن عدد سكان مصر وقتها كان 25 مليون نسمة وكان المفروض أن يتضاعف العدد بعد ذلك مع التعداد، لكن ذلك لم يحدث.. لماذا؟ لانتشار الوسائط الاخري كالتليفزيون والكمبيوتر وادمان الشباب له، وقد ارتبط ذلك بحركة الانفتاح المفاجيء وسيطرة الرغبة في الحصول علي التسلية والمتعة، وقد انقسم الناس إلي قسمين :
الاول اتجه الي الكتب الدينية المبسطة بعيدا عن العناوين المستنيرة المحترمة كحياة محمد 'صلي الله عليه وسلم' للدكتور محمد حسين هيكل، أو 'علي هامش السيرة' لطه حسين، او 'محمد' لتوفيق الحكيم، وانبهر القسم الثاني بصور اللهو التي اصبح يتصور انها جوهر الحضارة الغربية، مما ادي الي تفريغ الطبقة الوسطي من مثلها القديمة التي قامت عليها دائما: القراءة، والعلم، والعمل، ويضيف الدكتور عناني قائلا : ولاشك ان مكتبة الاسرة قد حلت جزءا كبيرا من المشكلة وان كنا نريد زيادة المطبوع.
الحداثة أغرقتنا!
ويقول الدكتور محمد حسن عبدالله الاستاذ بجامعة القاهرة: اعتقد كناقد ان العزوف عن قراءة الاعمال الادبية يعود في المقام الاول الي سيطرة مضامين الحداثة التي اغرقت النص، وأبعدته عن المحتويات الجادة والمؤثرة، وهي نظريات مستوحاة من الغرب، ولاتتفق مع مجتمعاتنا، وفي عصر سابق كان الابداع رسالة، وكانت الكتابة موقفا، وكان الفن مسئولية، وفي ضوء ذلك انتعشت فنون الرواية والمسرح، أما دعوات الحداثة الآن فقد أعلت من شأن العبث واللعب بالتشويق، وأخلت الكاتب من مسئولية التعبير عن الجماعة والاسهام الجدي في القضايا المصيرية، وجعلت من الكتابة الادبية زخارف مستغلقة، وقاست جرأة الاديب بما يصنع من استهانة بالمقدسات والسخرية منها واهدار الكرامات كل هذا جعل الناس ينصرفون عن القراءة، ويؤكد الدكتور محمد حسن عبدالله ان السبب الاقتصادي ليس هو الوحيد المسئول عن هذا الانحراف، بدليل ان هناك دولا لاتعاني أية مشكلة اقتصادية، ومع ذلك تتراجع نسبة القراءة فيها ويمثل وجود بدائل للقراءة سببا اساسيا في انحراف البعض عنها، كالمشاهدة والنص الناطق الذي قد لايختلف كثيرا عن النص المقروء، فلماذا التباكي مادامت جماليات النص تصل إلينا مضافا اليها الديكور والموسيقي؟
لا أحد يعرف
في حين يجزم الروائي ابراهيم عبدالمجيد الذي حصل علي جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الامريكية في اولي دوراتها بقوله : لا أحد يستطيع انكار ان العالم العربي يعاني من نسبة امية مرتفعة، والامر لاينطبق علي قراءة نجيب محفوظ فقط، ولكن علي الكتاب في العالم العربي وانا منهم، بعض اعمالي حققت '6' طبعات وهذا يعني حوالي '30' ألف نسخة، وهناك كتاب طبعت كتبهم مرة واحدة اي حوالي 3 آلاف نسخة، واعمال محفوظ لو اعتبرنا ان عددها '60' عملا وطبعت كل واحدة عشر طبعات يعني ذلك 180 الف نسخة واذا قرأ النسخة ثلاثة افراد فسوف يصل القراء الي حوالي 2/1 مليون قاريء من 280 مليون عربي، وارجو الا ننزعج من هذا الكلام لان هناك بلادا عدد سكانها 70 مليون نسمة وتطبع 2/1 مليون نسخة من الطبعة الواحدة، هذه مسألة تتعلق بالبنية الاجتماعية للعالم العربي وليس بقيمة الادب العربي فقيمته مرتفعة جدا ويقرأه النخبة، وهو لايقل في قيمته عن الادب العالمي.
|