كتب عربية - ميدان سفير - دار الشروق
جاري التحميل
ميدان سفير

ميدان سفير

«ما زال مرسمي في نفس المكان الذي وُلِدتُ فيه... في شقة ميدان سفير. كل يوم، في رحلتي المعتادة إلى هذا الركن الذي يَصِلُ حاضرِي بماضيَّ، أجد الذاكرة تلحُّ عليَّ بأن أسطِّر شذرات من أحداث وأشخاص عرفتهم، وتركوا فيَّ أثرًا لم تمحُه السنون».

من شرفة تطلُّ على «ميدان سفير»، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده، يفتح الفنان سمير فؤاد نافذةً واسعةً على زمنٍ كان الجمال فيه ركنًا يوميًّا من أركان الحياة.

يأخذنا المؤلف في جولة بانورامية داخل مجتمع كان يضجُّ بالتنوع والتعايش؛ حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقسًا اجتماعيًّا جامعًا ومصدر بهجة للأسر. كذلك المدارس التي شغلت قصورًا تاريخية، وحفلت بمعلِّمين كانوا قاماتٍ ثقافيةً وفنيةً لا مجرد ملقِّنين؛ معلِّم الرسم الذي رعى الموهبة البازغة وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلِّم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون «العقاد»، وصولًا إلى مدرس الموسيقى الذي شكَّلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع وقصر البارون الشامخ والحدائق الغنَّاء، وكيف مثَّل الحي وعاءً حاضنًا لسلوكيات راقية ونمط حياة متزن. وفي المقابل، يضعنا الكاتب أمام مرآة الواقع القاسية، راصدًا بأسى كيف تراجعت تلك المساحات الخضراء والثقافية أمام زحف الخرسانة، وكيف استحال الهدوء صخبًا، واختفت تلك الحميميَّة التي كانت تربط الإنسان بمكانه.

إنها شهادة حية لفنانٍ يرى حاضره قد تحوَّل إلى خيالٍ مشوِّهٍ لماضيه، فيقرِّر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعيَّة ضد معاول النسيان والتجريف.