في واحدة من أكثر فترات تاريخ مصر الحديث حساسية وتأثيرًا؛ يتجاوز مؤلفنا القدير د. محمد أبو الغار قلة المراجع، ويسافر ليطالع وثائق نادرة محفوظة في الأرشيفات الإيطالية والبريطانية والأمريكية؛ ليفتح بها صفحات مطوية من سيرة الملك فؤاد الأول؛ أول «ملك» يحكم مصر منذ عهد الفراعنة.
بمنهجية دقيقة تعتمد على الرصد والموضوعية، يرسم المؤلف صورة حيَّة للحاكم الذي خاض صراعًا مريرًا مع الزعامة الشعبية بقيادة سعد زغلول؛ في محاولة للسيطرة على طموحات الاستقلال. كما يكشف مسيرة الرجل الذي تشبع بثقافة أوروبية رفيعة وحمل رغبة صادقة في التحديث وسرعةً في الإنجاز؛ وهي الرغبة التي تحوَّلت إلى أحد أبرز دوافع استبداده، ونزعته نحو السيطرة المطلقة، لتصطدم طموحاته بالمعارضة الشعبية. ففي عهده، شهدت مصر كبرى النهضات العلمية، وتزامنت معها أقسى محاولات تقييد الحريات.
يتتبع الكتاب كيف بنى الملك مؤسسات الدولة الحديثة -كجامعة القاهرة ومجمع اللغة العربية ومعهد الموسيقى- بِيَدٍ، وباليدِ الأخرى حاول هدم دستور 1923. ثم يتجاوز المؤلف أبواب السياسة ليدخل أروقة القصر، كاشفًا علاقته المتوترة بالملكة نازلي، والهشاشة النفسية التي عانى منها بسبب رصاصة قديمة استقرَّت في حنجرته؛ فتركت أثرًا في صوته وجرحًا في روحه جعلاه يرى العالم بعين القلق والشك.
كتاب مرجعي شيق وممتع، يمثل إضافة حقيقية للمكتبة التاريخية، ويفتح الباب أمام الباحثين والدارسين لمزيد من الأبحاث، التي تعيننا على فهم الماضي وتأثيره العميق على استيعاب الحاضر والمستقبل. عمل لا غنى عنه لكل قارئ يبحث عن الحقيقة وراء كواليس التاريخ.